تحول استراتيجي في الموقف الغربي: بريطانيا تشطب هيئة تحرير الشام من قائمة الإرهاب

تحول استراتيجي في الموقف الغربي: بريطانيا تشطب هيئة تحرير الشام من قائمة الإرهاب

في خطوة وُصفت بأنها الأهم في مسار إعادة تشكيل السياسة الغربية تجاه الملف السوري منذ عقد كامل، أعلنت الحكومة البريطانية رسميًا شطب هيئة تحرير الشام من قائمتها للمنظمات الإرهابية المحظورة، لتفتح بذلك صفحة جديدة في مقاربة لندن للواقع السوري المتغيّر، ولتعلن ضمنًا اعترافًا بالتحولات العميقة التي شهدتها البلاد منذ سقوط النظام السابق وبروز “الحكومة السورية الجديدة” كفاعل رئيسي في إدارة شؤون الدولة ومكافحة الإرهاب.

القرار البريطاني، الذي جاء بعد أشهر قليلة من خطوة مماثلة للولايات المتحدة الأمريكية في يوليو 2025، يمثل انعطافة سياسية ودبلوماسية تحمل في طياتها دلالات أعمق من مجرد تعديل في قوائم التصنيف الأمني. إنه انتقال من سياسة العزلة إلى سياسة التعاطي الواقعي، ومن الموقف العقابي إلى الموقف التشاركي، وهو ما يؤشر على بداية مرحلة جديدة في علاقة الغرب بسوريا، قوامها التعاون الأمني والاستقرار الإقليمي بدلاً من الصراع والقطيعة.

تحول نوعي في السياسة البريطانية

منذ عام 2017، حين صنّفت لندن “هيئة تحرير الشام” كمنظمة إرهابية، التزمت المملكة المتحدة بخط متشدد تجاه أي نشاط سياسي أو إداري مرتبط بها، وفرضت قيودًا قانونية مشددة على أي تعامل رسمي أو غير رسمي مع مناطق سيطرتها. لكن القرار الأخير ألغى هذا الإطار القديم بالكامل، معترفًا – ضمنيًا – بأن الواقع على الأرض تغيّر، وأن الهيئة، أو بالأحرى الحكومة السورية الجديدة المنبثقة عنها، باتت تمثل سلطة أمر واقع لا يمكن تجاوزها في أي معادلة تخص مستقبل البلاد.

جاءت الخطوة البريطانية مدروسة بعناية، إذ ربطت وزارة الخارجية القرار بـ”التطورات الأخيرة على الأرض في سوريا”، وهو تعبير يحمل بين طياته إدراكًا بأن المرحلة الحالية تختلف جذريًا عن السنوات السابقة. فبعد سنوات من الصراع والفوضى، برزت في شمال البلاد إدارة مدنية وأمنية متماسكة، استطاعت أن تفرض النظام والاستقرار في مناطق واسعة، وأن تنقل نموذجها من حركة مسلحة إلى كيان إداري متكامل يمارس وظائف الدولة بقدر كبير من الانضباط والفعالية.

دافع أمني واستراتيجي

في صميم القرار البريطاني يكمن دافع أمني واضح: دعم مهمة “الحكومة السورية الجديدة” في مكافحة تنظيم داعش، الذي ما يزال يشكل تهديدًا مستمرًا للأمن الإقليمي والدولي. فبريطانيا، شأنها شأن شركائها الغربيين، باتت تدرك أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تُدار من خارج الميدان، وأن التعاون مع القوى المحلية القادرة فعلاً على ضبط الأرض وتأمين الحدود هو السبيل الأكثر نجاعة.

هذا التحول الأمني يعكس أيضًا إدراكًا متزايدًا في الأوساط الغربية بأن الاستمرار في تصنيف هيئة تسيطر فعليًا على مناطق حيوية وتشارك في جهود مكافحة الإرهاب كـ”كيان محظور” لم يعد عمليًا ولا يخدم المصلحة الأمنية المشتركة. فالتعامل مع “الواقع القائم” أصبح ضرورة ميدانية، وليس خيارًا سياسيًا فحسب.

بمعنى آخر، فإن القرار البريطاني جاء منسجمًا مع منطق المصلحة الأمنية العليا، إذ يسمح بفتح قنوات تواصل وتنسيق استخباري مباشر مع السلطات المحلية الجديدة في الشمال السوري، ويساهم في سد الثغرات التي طالما استفاد منها تنظيم داعش لإعادة تنظيم صفوفه عبر الحدود.

تطابق استراتيجي مع واشنطن

ما يضفي على الخطوة البريطانية أهمية إضافية هو تزامنها وتوافقها الكامل مع الموقف الأمريكي. ففي يوليو 2025، كانت واشنطن قد اتخذت قرارًا مشابهًا بإلغاء تصنيف “هيئة تحرير الشام” كمنظمة إرهابية أجنبية، في إطار مراجعة شاملة لسياساتها تجاه سوريا بعد التحولات التي شهدتها الساحة الداخلية.

تكرار الخطوة من قبل لندن بعد أقل من ثلاثة أشهر لا يمكن اعتباره صدفة دبلوماسية، بل هو جزء من استراتيجية غربية منسقة تهدف إلى رسم إطار جديد للتعامل مع سوريا الجديدة. فمن خلال هذه الخطوات المتتابعة، ترسل العواصم الغربية رسالة واضحة مفادها أنها مستعدة لفتح صفحة جديدة من العلاقات، عنوانها التعاون في مواجهة الإرهاب، ودعم الاستقرار السياسي، وتشجيع مسار إعادة الإعمار.

هذا التناغم الأمريكي–البريطاني يعيد إلى الأذهان لحظات تاريخية مماثلة حين اتفقت القوتان على إعادة صياغة سياساتهما في ملفات حساسة مثل أفغانستان والعراق، غير أن خصوصية الحالة السورية تكمن في أن القرار الحالي لا يأتي بعد حرب شاملة أو تغيير قسري، بل نتيجة تحول داخلي تدريجي أثبت استقراره على مدى السنوات الأخيرة.

اعتراف عملي بالواقع الجديد في سوريا

من الزاوية السياسية، يحمل قرار الشطب اعترافًا فعليًا بالواقع الجديد على الأرض السورية. فـ“هيئة تحرير الشام” التي كانت تُعرف سابقًا بجبهة النصرة، تحولت عبر مسار زمني طويل إلى كيان إداري يركّز على الحوكمة والخدمات، وابتعد عن الشعارات العابرة للحدود التي ميّزت مرحلة ارتباطه بالقاعدة.

هذا التحول لم يعد محل جدل في العواصم الغربية، بل أصبح حقيقة ميدانية يلمسها كل من يتابع الشأن السوري. لقد نجحت الإدارة الجديدة في بناء مؤسسات مدنية، وتنظيم أجهزة شرطة وقضاء، وتقديم خدمات عامة للسكان، ما جعلها تختلف نوعيًا عن الحركات المسلحة التقليدية التي سادت المشهد في مراحل سابقة.

بالتالي، فإن قرار بريطانيا لا يمكن قراءته إلا كخطوة نحو شرعنة هذا الواقع ومنحه الغطاء القانوني اللازم لتطوير علاقات تعاون رسمية في مجالات متعددة. إنه بمثابة “اعتراف عملي دون إعلان سياسي”، لكنه من الناحية الواقعية يحمل نفس الأثر: إنهاء العزلة وفتح الأبواب أمام مرحلة جديدة من التواصل الدولي.

رفع العزلة القانونية وفتح قنوات التعاون

من أبرز نتائج القرار البريطاني أنه يرفع العزلة القانونية والسياسية التي كانت مفروضة على الحكومة السورية الجديدة. فشطب الهيئة من قائمة الإرهاب يعني أن مؤسسات بريطانية، حكومية كانت أم مدنية، أصبحت قادرة على التواصل والتنسيق دون أن تواجه عوائق قانونية أو اتهامات بخرق القوانين.

هذا التطور يفتح الباب أمام تعاون أمني وإنساني واسع النطاق، ويمنح المنظمات الدولية العاملة في مجالات الإغاثة والتنمية مساحة أكبر للتحرك داخل الأراضي السورية، خاصة في المناطق الشمالية. كما يمهّد الطريق أمام المانحين الدوليين لاستئناف مشاريع الدعم المباشر، بعد أن كانت تجمّد معظمها خشية الملاحقة القانونية.

وبذلك، يتحول القرار البريطاني إلى رافعة قانونية وسياسية تمكّن المجتمع الدولي من إعادة الارتباط بسوريا من خلال قنوات شرعية وواضحة، بعد سنوات من المقاطعة والعزلة التي أضرت بالشعب السوري أكثر مما أضرت بالفاعلين السياسيين.

مكاسب داخلية للحكومة السورية الجديدة

على المستوى الداخلي، يمثل القرار دفعة قوية لشرعية الحكومة السورية الجديدة التي تقودها هيئة تحرير الشام. فهو يمنحها اعترافًا غير مباشر من واحدة من أبرز القوى الغربية، ويعزز موقعها السياسي والإداري في الداخل والخارج.

هذه الخطوة قد تُسهم في تثبيت الاستقرار الداخلي، إذ يشعر السكان في مناطق الشمال أن إدارتهم لم تعد معزولة عن العالم، وأنها بدأت تكتسب ثقة المجتمع الدولي. هذا الشعور بالانفتاح والقبول ينعكس بدوره على تعزيز الأمن المحلي ودعم برامج التنمية والخدمات.

كما أن القرار البريطاني قد يكون مقدمة لخطوات اقتصادية لاحقة، أبرزها مراجعة العقوبات الغربية المفروضة على سوريا منذ سنوات. فرفع التصنيف الإرهابي عادة ما يشكل الخطوة الأولى في سلسلة من الإجراءات التي تشمل تخفيف القيود المالية والسماح بالتعاملات البنكية والمصرفية، وصولاً إلى فتح قنوات للاستثمار والمساعدات.

نحو مرحلة اقتصادية جديدة

الشق الاقتصادي هو أحد أبرز الجوانب التي قد تستفيد منها سوريا في المرحلة المقبلة. فبعد سنوات من الحصار والعقوبات، أصبح الباب الآن مفتوحًا أمام إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

القرار البريطاني يزيل واحدة من أهم العقبات أمام المؤسسات المالية والاستثمارية الراغبة في الدخول إلى السوق السورية أو تمويل مشاريع إنسانية وتنموية. كما أنه يمهّد الطريق أمام شراكات اقتصادية دولية يمكن أن تسهم في تطوير البنية التحتية وإعادة الحياة إلى القطاعات الإنتاجية.

المرحلة المقبلة قد تشهد تزايدًا في اهتمام الشركات الأوروبية بالمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، خصوصًا في مجالات الطاقة والإسكان والخدمات الأساسية، وهو ما سينعكس إيجابًا على مستوى المعيشة وفرص العمل داخل البلاد.

إلى جانب ذلك، فإن تدفق المساعدات الإنسانية من المؤسسات الدولية سيصبح أكثر سهولة وشفافية، بعدما كانت القيود القانونية تعرقل وصولها إلى مناطق الشمال السوري. بذلك، يتحول القرار البريطاني إلى خطوة عملية لتحسين حياة ملايين السوريين.

أثر القرار على الأمن الإقليمي والدولي

من زاوية الأمن الإقليمي، يحمل القرار البريطاني انعكاسات إيجابية على استقرار المنطقة بأكملها. فتمكين الحكومة السورية الجديدة من أداء دورها الأمني والإداري بشكل رسمي يسهم في تقليص الفراغات الأمنية التي طالما شكّلت ممرات لعودة الجماعات المتطرفة.

وبفضل هذا الانفتاح، يمكن للغرب أن يعتمد على شريك محلي فعّال يمتلك القدرة والخبرة الميدانية لمواجهة التحديات الأمنية، من بقايا داعش إلى شبكات التهريب والاتجار بالبشر والسلاح. كما أن التنسيق بين لندن وواشنطن في هذا الملف يعزز من فعالية الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب ويمنحها إطارًا قانونيًا مستدامًا.

القرار البريطاني يُعدّ كذلك رسالة تطمين لدول الجوار السوري، مفادها أن الغرب يتجه نحو دعم الاستقرار لا إشعال النزاعات. فحين يتم التعامل مع السلطة الفعلية في الداخل السوري كشريك مسؤول، فإن احتمالات الفوضى والانقسام تتراجع، وحظوظ التسوية السياسية ترتفع.

إعادة تموضع غربي في سوريا

لا شك أن الخطوة البريطانية تأتي ضمن سياق أوسع من إعادة التموضع الغربي في سوريا. فبعد سنوات من المقاطعة، أدركت العواصم الغربية أن تجاهل القوى الحاكمة على الأرض لم يعد مجديًا، وأن مقاربة “التعاطي الانتقائي” يجب أن تُستبدل بمقاربة “التعامل الواقعي”.

لقد كان سقوط النظام السابق بمثابة لحظة مفصلية دفعت الغرب إلى إعادة تقييم موقفه بالكامل. ومع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن الاستقرار في سوريا لا يمكن تحقيقه من الخارج، بل من خلال تمكين القوى المحلية الفاعلة التي أثبتت قدرتها على إدارة شؤونها وتحقيق الأمن الداخلي.

ومن هنا، فإن القرار البريطاني ليس معزولًا، بل يأتي في إطار رؤية شاملة لإعادة رسم العلاقات مع سوريا الجديدة، مبنية على التعاون الأمني، والدعم الإنساني، والانفتاح التدريجي، تمهيدًا لعودة سوريا إلى موقعها الطبيعي ضمن النظام الإقليمي والدولي.

بداية مرحلة جديدة من العلاقات الدولية

من الناحية الدبلوماسية، يمكن القول إن القرار البريطاني يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين سوريا والغرب. فبعد أعوام من القطيعة، بدأت بوادر التواصل العملي تتبلور، وقد تتطور لاحقًا إلى علاقات رسمية أو شبه رسمية في ملفات محددة.

المرحلة المقبلة قد تشهد لقاءات فنية أو تفاهمات أمنية بين الأجهزة المختصة، وربما زيارات غير معلنة لمسؤولين غربيين إلى الشمال السوري لتنسيق جهود مكافحة الإرهاب والمساعدات الإنسانية. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى رفع مستوى التمثيل السياسي وتوسيع دائرة التعاون.

النتيجة الأهم هي أن سوريا تعود تدريجيًا إلى الخارطة الدولية، ليس كملف أزمة بل كدولة شريكة في جهود الاستقرار الإقليمي. وهذا التحول يحمل في طياته فرصًا كبيرة للبلاد لإعادة بناء مؤسساتها وفتح أبوابها أمام العالم بعد سنوات من العزلة.

خاتمة: لحظة مفصلية في المسار السوري

قرار بريطانيا بشطب “هيئة تحرير الشام” من قائمة الإرهاب لا يمكن اعتباره مجرد خطوة تقنية، بل هو تحول استراتيجي عميق يعكس إدراكًا متناميًا لدى الغرب بأن زمن الإقصاء والعقوبات لم يعد مجديًا، وأن الانفتاح والتعاون هو الطريق الوحيد لضمان الاستقرار.

إنه اعتراف بواقع جديد، وبقدرة الحكومة السورية الجديدة على إدارة شؤون البلاد ومكافحة الإرهاب، وتهيئة المناخ لمرحلة من إعادة البناء والتكامل الإقليمي.

لقد دخلت سوريا اليوم مرحلة جديدة، عنوانها الواقعية السياسية والانفتاح الدولي، ومع هذا القرار تبدأ رحلة جديدة من إعادة الارتباط بالعالم، على أسس من المصالح المشتركة، والأمن المتبادل، والرغبة في بناء مستقبل مستقر لسوريا والمنطقة بأسرها.