|

follow_bird-b

-------------

قائمة الخدمات

  أضف الموقع الى المفضلة
  أضف الصفحة الى المفضلة
  إجعلنا صفحتك الرئيسية
  إنشر هذه الصفحة
حاليا يتواجد 2175 زوار  على الموقع
لافتة إعلانية
الانسان والمكان (1)
* وديع العبيدي اضغط على اسم الكاتب للاطلاع على ارشيفه
الثلاثاء, 02 يونيو 2009 17:00

(شوسع الدنيه وما لمّتني..)*
شقتي نصف قبر
ولكنها كافية
أخشى إذا فقدتها..
مَنْ يمنحني شقة ثانية!..
..
المكان دالة إنسانية الانسان، ومعيار مدنيته وتطوره، والمعيار الذي يميزه عن عالم الحيوان.. لا يستطيع انسان اليوم أن يعيش في الشارع، يأكل ويخري وينام ويقرأ.. أنه بحاجة إلى مكان في زاوية من زوايا المدينة، وواحدة من مبانيها، بحسب ظروفه وامكانياته ومزاجه.
عندما فكرت في الانتقال من النمسا إلى لندن، كان المكان هو سبب الأزمة.. مغزى التغيير.. المكان المحض.. وبالتاكيد.. لو كانت علاقتي بالمكان النمساوي على ما يرام.. لما خطر لي أمر التغيير أو الانتقال.. لكن أين هي تلك العلاقة المتكاملة التي تحقق الاشباع.. الطمأنينة، الألفة، السعادة، الانتماء..
كنت أعيش في النمسا كوطن ثاني لا بديل له، عندي سكن وعمل ووقت فراغ وأصدقاء نلتقي من وقت لآخر.. ذات عطلة عبرت الحدود وسافرت إلى ايطاليا.. شعرت بهواء جديد يتخلل قصباتي وخفة تلتبس الكائن الذي في داخلي.. ايطاليا جميلة، هواؤها أنقى من غيرها.. الناس والعلاقات فيها أكثر سلاسة.. الطيور والناس والسيارات والقوارب والتماثيل والظواهر الجوية تتعايش بانسجام وألفة.. عدت أدراجي وأنا مشغول بالهاجس.. ايتاليانو.. ايتالو.. ايتلي.. ايتل.. ايتلك.. ايتالك.. ميتالك.. لكن اللغة الايطالية ضعبة.. تبدو شفاهية.. رطانة وتهريج.. كيف يتهامس الايطاليون.. الغناء الاوبرالي وترانيم الكنيسة العسكرية.. لا.. لا..
بعد مدة زرت مدريد.. حاولت أن أعيش بكل معنى الحياة.. ما معنى هذ العبارة عمليا.. حاولت أن أكون حرا.. أتحلل من كل اعتبار.. أعود من نقطة الصفر.. وأولد من جديد.. انظر للأشياء مثل أول مرة.. أنظر إلى شفاه الناس وهم يتكلمون ويبتسمون ويقبلون بعضهم.. وأحاول أن أتعلم.. انزلقت على سحابة الزمن من أقصى المدينة إلى أقصاها.. من ليلها إلى نهارها.. وإلى حدّ ما.. ساعدت سمرة بشرتي أن أضيع بين المهاجرين وأهلها من أصول جنوبية.. مرّ اسبوع وأنا لا أستطيع أن أتفاهم أو أتبادل كلمة مع صاحبة الفندق.. الوجوه سمحة وجميلة.. ولكن اللسان عضلة يابسة، واللغة كائن ميت.. هكذا وجدتني أغادرها متسلحا ببقايا ونتف من ذكريات ودعابات خاطئة..
حدث أمر عابر اقتضى مني زيارة لندن.. لندن التي رفضتها أمرارا وارتبطت صورتها في ثقافتي بأمور لا علاقة لها بالواقع.. أنا الآن في لندن.. أنا الآن خارج لندن.. أنا الآن في لندن ثانية.. ثالثة.. رابعة.. أنا أقيم في.. لندن.. أتمشى في شوارعها.. أنظر إلى فسيفسائها الاجتماعية.. وجوه شرطتها النسائية الناعمة.. شرطتها غير المسلحة الفائقة الأدب، عكس كلّ شرطة العالم.. وعكس تلك المقولة البرجوازية التي حفظناها من برامج التثقيف الحزبي.. إذا سقط الرجل أصبح شرطيا.. درت في الهايد بارك عدة دورات.. وترددت على آحادها ومواعظ (السبيكرز كورنر) حتى حفظت وجوه معظم روادها.. لندن وألفتها الغريبة.. لماذا لم أزرها قبل عشرين عاما.. أو أكثر.. في لحظة نسيت.. نسيت.. انمسحت قسمات المدن الآخرى وبصماتها.. غضون صيفها وارتعاشات شتاءاتها.. أنا الآن ممتد في الزمان والمكان.. مثل خريطة بلا حدود.. لندن المدينة العالمية الصغيرة.. المدينة العالم.. الميتروبوليتان.. لندنستان وهنستان وعربستان وأفريكستان.. ولندن أي شيء إلا نفسها..
كل مدينة تعرف بناسها وثقافتها، إلا لندن فهويتها منفصلة عن الناس المقيمين فيها وثقافاتهم المستهلكة في شوارعها وأحيائها.. هذه الأحياء والناس لن يكونوا هكذا لو كانوا في بلادهم، أو أي بلد آخر.. لندن وحدها تعطيهم هذه النكهة.. الحركة والحيوية والطموح اللامعقول..
في البدء كنت أرفضها وأعاملها بتوجس.. ثم راوغتني وراودتني عن نفسي رغما عني.. ثم اكتشفت.. أنها ليست تابعة لنمط الحركة السائدة فيها.. هؤلاء الغلابا التعبانين.. لن يستطيعوا الحياة إلا في هكذا مدينة.. لندن هي التي تفهمهم.. تحتضنهم.. بسوءاتهم وتخلفهم وغرورهم البدائي.. أفارقة وعرب وباكستانيين وتايلند ومغول.. فرنجة ومورسكيين واغريق وتركا وفرسا وأكراد.. علمانيين ومؤامنة وانتهازيين وجواسيس.. مدينة الاختلاف المنسجم.. والاضطراب المطمئن..
*
في كل زيارة تختلف إقامتي عن الأخرى.. أقضي معظم الوقت خارجا.. في ليل متأخر أعود للنوم وأستيقظ في اليوم الثاني بنفس الدوامة.. ذات مرة أخبرني الصديق - حسب زعمه- أن الأفضل أن لا أعود قبل التاسعة أو العاشرة على أكبر تقدير، لأن المدام (الانجليزية) تغلق الباب مبكرا.. ولأن الباص (82) يستغرق أكثر من ساعة في رحلته .. فأن عليّ تدارك الوقت والتنازل عن جانب من حريتي في مسألة الوقت..
تحدثت في الموضوع مع أحد الأصدقاء.. فقال انه يعرف مكتب عقار قريب .. ذهبنا اليه وكانت لديه شقة على وشك الخلو بعد أربعة أيام.. الشقة قريبة من مكتبه في كلبرن هاي رود.. طرق الباب عدة طرقات ولم تفتح.. أخرج مفتاحه ودخل الحجرة وهو يصيح هالو هالو.. فجأة تقدم رجل من الباب وقال بصورة احتجاج.. غير مسموح لك بدخول الشقة ونحن لم نغادرها بعد.. قال له الدلال الايراني باعتداد.. لقد طرقت الباب عدة طرقات ولم يرد أحد.. أن لديّ زبون لمعاينة الشقة لا أكثر.. ودمدم الرجل ثانية فاعتذر الشاب ثلاث مرات وقال انه مستعد لمغادرة الشقة على أن يعطيه موعدا للمعاينة.. وافق الرجل بزعل باد ودخل حجرة على يمين الباب.. دعانا للمعاينة باشارة من يده ودمدمة شفاه بمعنى (لا تهتمو).. نصف خطوة في الحجرة ثم انسحبنا.. كانت حجرة نوم ضيقة يملأها سرير مزدوج.. ثم دخلنا وراءه بابا أخرى فكانت صالة كما يفترض ومواد مرزومة، وفي مكان ما كانت فتاة مرتبكة تعدل من وضع ثيابها، لم تلتفت الينا، فانسحبنا سريعا، وسمعنا الباب تصفق وراءنا بقوة.. اعتذر صاحب المكتب للساكنين مرة أخيرة قبل المغادرة.. فيما كنا نحن ننزل الدرجات أمامه كأننا في حالة هروب.
*

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* (شوسع الدنيه وما لمّتني)- شطر من اغنية (تانيني) للمبدع فؤاد سالم.
* المقطع الشعري التالي للكاتب من مجموعة -دخول في خبر كان- القاهرة- 2004

الشبكة العربية العالمية

 

Add comment

لكم كامل حرية التعبير عن الرأي ضمن فضاء الاحترام والنقد البناء وذلك بالكتابة او وضع فيديو من اليوتيوب و الفيس بوك
----------------------------------------------
التعليقات المنشورة لا تعبر عن الشبكة العربية العالمية وإنما تعبر عن رأي أصحابها

الآراء والمقالات المنشورة تمثل مواقف كتابها ومصدرها

ولا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية العالمية

--- اشترك في نشراتنا الالكترونية اليومية

--- آراء وتحليلات


القادم المحتوم .. ثورة سورية حتى النصر
الشبكة العربية العالمية - لا يساوي العام شيئاً بمقياس حياة الأمم والشعوب. ففي حين...

اليمن: الهروب إلى القاعدة!
الشبكة العربية العالمية - هل حان الوقت لنتجاوز ثقافة الشعارات ونقف لحظة تأمل أمام...

--- أفكار ودراسات


مقاربة لخطاب وأداء المعارضة السورية منذ بداية الثورة
تحاول الدراسة التالية ملامسة المسائل المتعلقة بالخطاب السياسي والإعلامي، إلى...

من مصالحة إدارة الانقسام إلى المراجعة الاستراتيجية
الشبكة العربية العالمية - تمر (حركة التحرر الوطني الفلسطيني المعاصرة) بأزمة...

--- الثقافة


نبيـل عـودة: شـــبــيــحـة الـعـقــل
هذا النهار سيء من أوله، أستاذ الفلسفة دخل متجهماً على غير عادته، وضع دوسيته بضربه...

عمر جاسم: من وحي التجديد
(شروق)بسماع صوت البلبل الذي يقف على نافذته كل يوم ، استيقظ دوغلاس ، معلنا عن يوم...

--- الاقتصاد والاعمال


اقتصاد الامتيازات .. "من اين لك هذا؟"
الشبكة العربية العالمية - يرتبط اقتصاد الامتيازات بالانظمة القمعية التي تتنافس...

الاقتصاد السوري لم يشهد أقسى من الظروف الحالية منذ الاستعمار الفرنسي
الشبكة العربية العالمية - رأى عضو المجلس الوطني المعارض، الخبير الاقتصادي السوري...

--- أخبار عربية وعالمية


سوريا: النظام الأسدي يزداد عمى
الشبكة العربية العالمية - لم يتبقى امام النظام السوري سوى التشدق بنظرية المؤامرة...

العراق: دولة القرية والديمقراطية العرجاء؟
الشبكة العربية العالمية - يتذكر العراقيون مطلع السبعينات من القرن الماضي كيف اتخذ...

-------------

At Marriott.co.uk the Pluses add up!

-------------

-------------

BBC Canada Shop

------------- 

 

-

الشبكة العربية العالمية © 2006 - 2012
- يسمح باعادة النشر على شرط  ذكر اسم الموقع ورابط الكتروني للمقال

- المواضيع والمقالات المنشورة تعبر عن رأي مصدرها وكاتبها وليس بالضرورة رأي الشبكة العربية العالمية

- يتحمل كاتب المقال او الدراسة مسؤولية مضمون وصحة المعلومات التي ينشرها على عاتقه  - الشبكة العربية العالمية غير مسؤولة عما ينشره الكتاب المسجيلين والمدونيين

لافتة إعلانية