|



قائمة الخدمات

7924 زائر، وعضو واحد داخل الموقع

نظرية المعرفة عند الفارابي
الشبكة العربية العالمية: عماد الدين الجبوري
أفكار ودراسات
الأحد, 31 أيار 2009 08:13

 

رغم إن أبو نصر الفارابي (870-950) لم يضع نظرية خاصة ومستقلة في المعرفة الإنسانية كما فعل في  بعض نظرياته التي تخص السياسة والتصوف والموسيقى والماوراء وغيرها. إلا أن أفكاره في نظرية المعرفة جاءت منثورة التوزيع بين طيات مؤلفاته وذلك من خلال معالجاته وتشخيصاته إلى النفس وقواها من ناحية. وإلى العلوم العقلية والإلهية من ناحية أخرى. وهنا نود أن نتعقب أقوال الفارابي المتفرقة في هذا المضمار محاولين جهد المستطاع إلى تبيان عناصر هذه النظرية.

 

المعرفة الحسية

بنص الفارابي في: "كتاب الجمع بين رأي الحكيمين" على إن المعرفة التي تحصل عليها النفس البشرية تكون عن طريق الحس. فالحواس هي إدراك الجزئيات، ومنها تحصل الكليات التي هي التجارب على الحقيقة. وليس العقل شيئاً غير التجارب، وكلما كانت هذه التجارب أكثر كانت النفس أتم عقلاً.

بيد أن المعرفة حسب رأي الفارابي لا تحصل هكذا بالإنسان من خلال إدراك مباشر للحس بالمحسوسات، وإنما هناك قوى نفسية متعددة تتدخل بغية إتمامها وإكمالها. ولكن هذه القوى رغم تعددها إلا أنها تتفاوت في وظيفتها بحسب الكائن. فإن إدراك الجزئيات بصورها المادية تكون مشتركة بين الإنسان والحيوان. غير إن الإنسان يمتاز فيها بالنزوع نحو التفكير. ولهذه القوى جانبين أثنين: ظاهري وباطني، الأول بخص الحواس الخمسة، والثاني يخص الحس المشترك كالخيال والوهم والذاكرة.

إن قوى الإدراك هي أدوات المعرفة، فالمخيلة تحفظ صور المحسوسات التي يؤديها الحس المشترك، رغم غياب الحس عنها. حيث تعمل المخيلة في فصل بعض الصور المحفوظة عندها، أو تقوم بتركيب صوراً إلى بعضها، ولذلك يكون في المنام أحلام. لأن الإحساس يحاكي قوة الخيال. فإذا أحس جسم النائم بالرطوبة مثلاً، فإن الحلم يكون عن المياه أو السباحة أو وفق ما يتعلق بذلك الشيء. وكلما كانت هذه العوارض في المخيلة ذات قوة وسيطرة على الواقع فإن الأشياء المتخيلة تكون أكثر واقعية. وكذلك القول عن الوهم الذي يدرك فيه الكائن الحي ما لا يُحسَ. كما في إدراك النعجة مثلاً، حيث تحس إن الذئب عدوها فتهرب منه من غير أن يكون لها تجربة أولية تعي فيه هذا الخطر. ولكنها تُحسَ ما لا يُحسَ بمعناه. أما الذاكرة فهي خازنة الوهم وحافظة صور الأشياء.

وعليه فإن المعرفة الحسية لا يمكن لها أن تتم إلا عبر "وسائط" حيث تبدأ الحواس بالمحسوسات فتنتزع صورها، وتحصل في هذه العملية تعاقبات متوالية تقوم بها القوة المتخيلة، حيث تجري على الصور تهذيباً لكي تنقيها من علائقها الشائبة فيها بغية وصولها إلى مرتبة العقل.

 

المعرفة العقلية

وهذه المعرفة تخص الإنسان وحده ولا أحد يملكها سواه. حيث يدرك بالعقل التجريدات الخالصة أو المعاني الكلية مثل: الله، الملائكة، الروح، الرياضيات، الهندسة وغيرها. ولهذا العقل ثلاث درجات وضحها الفارابي في كتابه: "السياسة المدنية" وهي:

أ- العقل الهيولاني: وهو العقل المنفعل أو العقل بالقوة. فإذا ما أدرك صور الأجسام في الخارج صار عقلاً بالفعل. حيث يكون فارغاً من المعلومات. إلا أنه يتقبل المعلومات كلها، كما وأنه يحتفظ بصور الموجودات وفقاً لماهياتها وليس لمادياتها إذ يجرد الموجودات وينزع عنها آليتها محتفظاً بمعانيها المجردة فقط.

ب- العقل بالفعل: وهو يكون بعد حصول صور الموجودات، حيث يدرك المعقولات بعد انتقاله من وضع الفعل، وذلك بواسطة المعرفة المكتسبة: المعقولات التي كانت بالقوة تصبح بعد انتزاعها معقولات بالفعل. وهذه الصور أو المعقولات ليست كالأشياء خاضعة للأين والمتى والوضع والكيف والكم والفعل والإنفعال، بل هي مجردة عن المادة. وهذا لا يعني أن العقل هو غير المعقولات بل هما شيء واحد تماماً. كالشمعة المشتعلة يُنقش فيها النقش على السطح وفي أعماقها في آن واحد، والسطح والعمق منصهران تماماً كالعقل والمعقولات.

ولكن عملية هذا الانتقال من القوة إلى الفعل لا تكون بفعل الإنسان حسب تصور الفارابي في كتابه: "آراء أهل المدينة الفاضلة". وإنما بتأثير عقل آخر هو دائماً بالفعل ويكون أعلى من مرتبة العقل الإنساني. ألا وهو العقل الفعَال، عقل فلك القمر.

ت- العقل المستفاد: وهو العقل الذي أصبح بالفعل يدرك المعقولات كلها. وقد أكتسبها في نفسه من حيث صورها المجردة لا مادياتها. وان: الإنسان الذي أستكمل عقله المنفعل بالمعقولات كلها، صار عقلاً بالفعل، ومعقولاً بالفعل. وصار المعقول منه هو الذي يُعقل، عندها يحصل له عقل هو فوق رتبة العقل المنفعل، وهذا العقل هو أرقى من العقل المنفعل وأكثر كمالاً، وأكثر ابتعاداً عن المادة واقتراباً من العقل الفعَال.

 

المعرفة الإشراقية

عندما يصبح عقل الإنسان عقلاً مستفاداً، ولا يعود بينه وبين العقل الفعَال مسافة تفصل بينهما، فإن الحقائق التي تتجلى من العقل الفعَال كونه واهب الصور حيث يفيض منه كإشراقات تتنزل على من أستطاع أن يتحرر من قيود المادة ويرتفع إلى مرتبة الكائنات السماوية. وإذا حصل ذلك لإنسان ما كان الذي يوحى إليه بواسطة العقل الفعَال هو الله تعالى. لأن الله الذي يفيض منه إلى العقل الفعَال فإن الأخير يعود ويفيضه إلى العقل المنفعل لهذا الإنسان. وبالتالي يصبح هذا الإنسان فيلسوفاً. أما ما يفيضه العقل المستفاد إلى مخيلته فإنه يصبح نبياً منذراً بما سيكون ومخبراً بما هو الآن من الجزئيات. وهذا الإنسان هو في أكمل مراتب الإنسانية وفي أعلى درجات السعادة وهو يدرك المعقولات أو الكائنات العلوية "البريئة من الأجسام" وفق حالتها الراقية والشريفة حيث يراها بدون حجاب.

إذن فإن نظرية المعرفة عند الفارابي ترتكز على أعمدة ثلاث هي: حسية وعقلية وإشراقية. ولقد جعلها وفق درجات متفاوتة ومختلفة بحسب قدرات البشر عند قربهم أو بُعدهم من العقل الفعال والاستغراق فيه. فهناك الناس العاديين ثم الحكماء والعلماء ثم أعلاهم شأناً الأنبياء.

 

ما يتعلق بالنظرية

إذا كانت نظرية المعرفة عند الفارابي موزعة ومتداخلة في بعض نظرياته عن: النفس، الفيض، النبوة، التصوف. فإنه من المفيد هنا أن نتناول الجوانب التي تتعلق صلتها بتلك النظريات. ففي كتاب "السياسة المدنية" مثلاً إذا أخذنا المعرفة الحسية فإن صلتها تكون في قوى النفس وفق ثلاثة أنواع هي: نباتية وحيوانية وإنسانية. الأولى لها قوى ثلاثة هي: غاذية ومنمًية ومولدًة. أما الثانية فتنقسم إلى محركة ومدركة، لكل منها ضربين أثنين: فالمحركة (أو النزوعية) إما أن تكون شهوانية أو غضبية. بينما المدركة إما أن تكون بالحواس الخمس الظاهرة: البصر، السمع، اللمس، الشم، الذوق. أو الباطنة وهي: الحس المشترك، المصورَة، الواهمة، الحافظة، المتخيلة. والثالثة فإنها تتعلق بالمعرفة العقلية. حيث أن القوى الإنسانية إنما ترتكز على القوة الناطقة أو العقل. وهي تنقسم إلى نوعين: عملية ونظرية. فالعقل العملي يعرف الإنسان ما شأنه أن يعمله بإرادته. والعملية منها مهنية ومروية. الأولى هي التي بها تحاز الصناعات والمهن. والأخرى هي التي يكون بها الفكر والروية في شيء مما ينبغي أن يُعَمل أو لا يُعمَل. أما العقل النظري فهو الذي به يحوز الإنسان علم ما ليس شأنه أن يعمله إنسان أصلاً.

ولقد خصص الفارابي في رسالته "في معاني النفس" شرحاً مسهباً عن معاني العقل الذي قسمه إلى أربع مراتب هي:  العقل بالقوة، العقل بالفعل، العقل المستفاد، العقل الفعَال.

بالاختصار إن العقل الإنساني عندما يتصل بالعقل الفعَال يتحول الإدراك الحسي إلى إدراك عقلي. ولكن ما يتلقاه العقل الإنساني من العقل الفعَال ، فإن هذا العقل يتلقى بدوره من العقل الذي يعلوه مرتبة، وهكذا تصاعدياً حتى الانتهاء إلى العقل الإلهي مصدر كل شيء. وهذا الصدور أو الفيض الإلهي حسب نظرية الفارابي يكون العقل الفعَال فيه في مرتبة العقل السماوي العاشر الذي يشكل الوجود الحادي عشر بين الموجودات الكونية. فمن الوجود الأول (الله) يفيض وجود ثاني هو عقل أول يلزم عنه وجود ثالث هو عقل ثاني، وهكذا نزولاً إلى العقل الفعَال الذي هو المسؤول عما دون فلك القمر، عالمنا الأرضي الأسفل. فمن العقل الفعَال تفيض النفوس البشرية والمعارف العقلية والإشراقية.

 

موقف الغزالي وابن رشد

رفض الإمام الفيلسوف أبو حامد الغزالي (1058-1111) قضية "الوسائط" التي نص عليها الفارابي في نظريته المعرفية. إذ حسب رأي الغزالي إن هذا من تلويث الوثنية اليونانية، حيث جعل الفارابي (ومن يؤيد أفكاره مثل أبن سينا وغيره) أن يقول بما يرفضه الشرع الإسلامي . منها القول: أن الأول فيه كثرة دون التوحيد، وأن لا كثرة في العالم بإنكار الحس، وأنه ملزم بالوسائط. وهذه "دعوة باطلة لا تعرف بنظر أو بضرورة" كما جاء في كتابه "تهافت الفلاسفة" صفحة 132.

ومن هنا عمد الإمام الغزالي إلى تكفير فلاسفة اليونان. "وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي وغيرهما، على أنه لم يقم بنقل علم أرسططاليس أحد من متفلسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين، وما نقله غيرهما ليس يخلو من تخبيط وتخليط". كما جاء في كتابه: "المنقذ من الضلال" صفحة 63.

ورغم أن القاضي أبو الوليد ابن رشد (1126-1198) قد أيد بعض اعتراضات الغزالي. إلا أنه يفرز بدقة بين الأقوال المتداخلة  بين  فلاسفة الإسلام وفلاسفة اليونان من جهة. ويأخذ من الأوائل (أرسطو وأفلاطون) ما هو مفيد للمعرفة الإنسانية من جهة أخرى.  ولهذا يرد على الغزالي بعض حججه في هذا الخصوص ويُبطل عليه تكفيره أيضاً. فإن: المذاهب في العالم ليست متباعدة حتى يُكفر بعضها بعضاً. كما قال في "فصل المقال" صفحة 41. أما كتابه "تهافت التهافت" فكان مخصصا لدحض معظم اعتراضات الغزالي.

على أية حال فإن ابن رشد لا يتفق مع ما ذهب إليه الفارابي بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد. وبالصدور الثلاثي عن كل عقل بعد الله. والقول بأن المبادىء تصدر عن بعضها على الحقيقة، ويعتبرها من تخرصات الفارابي. ولذلك يطالب من كل دارس أن يتفحص أقوال الفارابي ونظرياته . وكذلك بالنسبة إلى ابن سينا وغيره. لأنهم أساؤوا إلى المعرفة الإنسانية وفق ما "تقتضيه طبيعة البرهان" كما كان الأمر عند فلاسفة اليونان أفلاطون وأرسطو. وبذا فأن مسؤولية هذا المسلك إنما يقع على عاتق الفارابي وأبن سينا وكل من لم يكن له تحصيلاً كاملاً "لمذهب القدماء". لأن قلة التحصيل هذه أدت إلى تكفير لا داعي له قاده الغزالي دون روَية واجبة.

وما بين موقف الغزالي وابن رشد سارت أغلب الآراء في تقييم الفارابي في نظرية المعرفة أو غيرها. ابتداءً من فخر الدين الرازي والشهرستاني وإلى الطوسي وابن خلكان والبيهقي وغيرهم من العلماء والمؤرخين المسلمين.

 

موقف الباحثين المعاصرين

رغم أن أغلب الباحثين العرب المعاصرين يتفقون على إن نظرية المعرفة عند الفارابي وما يتعلق بها في نظريات: الفيض والنبوة والنفس والتصوف بأنها مزيجاً من الفلسفة اليونانية والأفلاطونية المحدثة مصقولة بطابع إسلامي. ومن بين هؤلاء جميل صلبيا، ماجد فخري، محمد عبد الرحمن مرحبا، رمزي نجار، جوزيف الهاشم وآخرين غيرهم. يقول الدكتور محمد مرحبا في كتابه "من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامي" صفحة 423 ما يلي:

"وهكذا يُسخَر الفارابي أفلاطون وأرسطو وأفلوطين لبلوغ أهدافه وغاياته ويمزجهم بعضهم ببعض وبتعاليم المذهب الإسماعيلي والصابئة والتصوف ويصبغ كل ذلك بصبغة إسلامية واضحة في إطار من التفلسف الديني والدين الفلسفي يتلاءم  وظروف البيئة التي كان يعيش فيها ويخدم أغراضها".

ويقول المحقق المعروف لكُتب الفارابي الاستاذ ألبير نصري نادر عن نظرية المعرفة بأنها: انتهت إلى نتائج لا تتفق والشرع. ويذهب كل من خليل الجر وحنا فاخوري بأن معالجات الفارابي المعرفية وأقواله التي تتعلق بالصدور من العقول فإن نظريته لم تصل إلى حل مُرضي، حيث جعل العقول من إبداع الله ولكن ليس في زمان.

بينما الدكتور حسام الدين الآلوسي له رؤية مغايرة، حيث يرى: "أن الانتقادات التي وجهت إلى هذه النظرية سابقاً تتسم بنفس روح مسلمات تلك الفترة، كما يبرر لنا تقديم نقد حديث لها على ضوء العلوم والمناهج الفلسفية الحديثة". (دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي صفحة 114).

هذا قطرٌ من مطر الباحثين نكتفي به رغم إنه نزر يسر حفاظاً على إيجاز الموضوع.

 

تقييم عام

إذا كانت نظرية المعرفة عند الفارابي تقوم على أُسس حسية وعقلية وإشراقية. فذلك لأنها تختص أو تقترن بقوى نفسية وإدراكية وإلهامية. ولهذا لم يكن للفارابي نظرية معينة ومستقلة تخص المعرفة، بقدر ما كانت موزعة في ثنايا نظرياته الفلسفية التي أشرنا لها سلفاً.

نعم لقد تأثر الفارابي بأقطاب الفلسفة اليونانية أفلاطون وأرسطو وكذلك بالأفلاطونية المحدثة وخصوصا ما جاء عند أفلوطين في المعرفة الفيضوية. وهذا أمر طبيعي لاسيما وان الفارابي لم يكن مقلداً تابعاً. بل قد أعطى في ذلك المزج الفكري طابعه الإسلامي المميز. فالفكر لا حدود جغرافية له والحضارة سجال بين الأمم والفارابي  في هذا الشأن أبلى بلاءً حسناً.

ونظرية المعرفة عند الفارابي كأي نظرية أخرى فيها الخلل والصواب. فعن الجانب الحسي، قد تميز الفارابي عن أفلوطين بإضافة القوة الوهمية إلى القوى المدركة الحيوانية. بيد إنه قد أخفق عندما جعل هذه القوة الوهمية تكون من شأن الخيال، أو من عمل القوة المتخيلة. فلو كان ذلك كذلك لأصبح للحيوان درجة من المعاني أو الأفكار التي يدرك بها الأخطار. وبما إن هذا محال، بدليل المثل الذي طرحه الفارابي عن الشاة والذئب يكون خالياً من أي مضامين ذهنية. وعليه فإن عملية إدراك الخطر إنما تكون نابعة أساساً من الصورة الحسية للذئب في الشاة، حيث يدب فيها الخوف بسبب ذلك دونما أن يكون للوهم فعل ما في أن تُحس الشاة ما لا يُحس بمعناه.

أما عن الجانب العقلي فإن أقوال الفارابي عن العقل الفعَال فقد ذهب بها بُعداً لم يكن قد طرحه أفلوطين قط. حيث جعل في فيض العقول أن تكون هناك درجة إشراقية تخص النبي والفيلسوف من خلال الإفاضة من العقل الفعَال إلى العقل المنفعل بتوسط العقل المستفاد ثم إلى القوة المتخيلة أو الوحي الذي يستمدان منه المعرفة. وإذا كانت هذه إحدى محاولات الفارابي في التوفيق أو التسوية بين الدين والفلسفة. فإنه قد أخفق مرة أخرى لأنه قد جعل النبوة تكون أدنى درجة من المعرفة العقلية كونها:

أولاَ: من نتاج القوة المتخيلة التي هي قوة مدركة حيوانية.

ثانياً: جعل أي إنسان له استعداد نظرياً بأن يصبح نبياً.

وهكذا هو يجعل من النبوة مجرد ظاهرة طبيعية وليست اصطفاءً سماوياً.

أما المعرفة الإشراقية فأراد الفارابي منها أن يثبت بأن الدين لا يخالف مبادىء العقل. وهذه خطوة مهمة أقدم علبها الفارابي لكي يواجه التيار الإلحادي الذي ظهر آنذاك. ومن أقطابه ابن الراوندي و أبو بكر بن زكريا الرازي.

عموماً فإن تكفير الغزالي للفارابي كونه ينص على أن المبدأ الأول فيه كثر دون التوحيد. أو يجعل النبي والفيلسوف يستمدان معارفهما من منهل واحد هو العقل الفعَال. أو غيرها من الأقوال والأفكار. فإن الغزالي نفسه قد جاءت المعرفة عنده مشحونة بأفكار أفلوطين. حيث درجات: الحس والعقل والإشراق. فإذا جعل الفارابي أن تكون منزلة النبي والفيلسوف واحدة بالوحي المعرفي. فإن الغزالي قد جعل من الصوفي والنبي لهما نفس الإلهام أو المعرفة الوجدانية، وذلك بالكشف والمشاهدة في تقرَب الإنسان من الله. غير أن الغزالي لم يتطرف على الدين البتة.

وبما أن الغزالي لم يدرس الفلسفة غير سنتين أثناء إقامته في بغداد ولم يكن هناك قطب يفك له غموضها المستعصية عليه وبالأخص ما يتعلق بالعقل في المسائل الإلهية. لذا كان ابن رشد وهو الوارث لتراث الفلسفة الإسلامية ومن خلال قدرته العقلية الفلسفية استطاع أن يرد على حجج الغزالي.  وهو أيضاً القاضي أباً عن جد حيث تمكن شرعاً من إبطال حالة التكفير للفارابي وغيره. ولكن هذا لم يمنع ابن رشد من نقد الفارابي وابن سينا وغيرهما من المتفلسفة المسلمين الذين غيروا العلم الإلهي عن فلاسفة اليونان "حتى صار ضناً" لا يقين فيه.

ومن بين الأمور التي تناولها ابن رشد هو مطالبته لكل دارس أن يتفحص آراء الفارابي ونظرياته. ونفس القول بالنسبة إلى المتأخرين من فلاسفة الإسلام الذين قصَروا في فهم مذهب أفلاطون وأرسطو. وهذا طبعاً يدل على دقة إطلاع ابن رشد من ناحية. وإلى مدى قدرته العلمية والفلسفية والدينية من ناحية أخرى.

أما آراء الباحثين العرب المعاصرين فأغلبها تقليدية الطرح تصب في مجرى التراث. ولقد عرضنا قول نصري نادر والدكتور مرحبا نموذجاً. بيد أن ما طرحه الدكتور الآلوسي فيه رؤية عصرية أو "نقد حديث" مميز ومفيد. حيث يعتبر ضخاً جديداً للماضي وفقاً لقوالب الحاضر دون الاستمرار على الطراز التقليدي. ويمكن للقاريء أن يعود لكتابه حول هذا الشأن.

ومهما تفاوتت وتنوعت الآراء قديماً وحديثاً فإنها تدل وبشكل قاطع على أهمية ومكانة الفارابي وما أبداه من آراء وأفكار ومنها أقواله في المعرفة التي جاءت عنده وفق ما كانت عليه علوم عصره.

 

الشبكة العربية العالمية

 

 

Share
 

الآراء والمقالات المنشورة تمثل مواقف كتابها ومصدرها

ولا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية العالمية

--- اشترك في نشراتنا الالكترونية اليومية

--- استفتاء..ادلي بصوتك

بعد الربيع العربي، هل يستطيع الاسلاميون حكم دول المنطقة؟ اي من السيناريوهات تعتقد هي الانسب؟ ولماذا؟

--- آراء وتحليلات

IMAGE
التغييرات الثورية تقتحم واقع المرأة وتبدله
الثورة أعادت النظر في الأدوار التي تمارسها المرأة في مجتمعها. وأعادت التفكير في...
IMAGE
لعبة إيران الخطيرة في اليمن
أعرب أحد الدبلوماسيين الأوروبيين المشاركين في وضع تقرير لحلف الناتو عن اليمن، عن...

--- أفكار ودراسات

IMAGE
ما هو ‫‏الإرهاب‬؟
لعل أول ما يخطر على البال - ولعله أول ما يتم تجاهله عمدا – عند التطرق لموضوع...
IMAGE
سوريا: كما أرادها بشار الأسد .. عن داعش والطائفة العلوية
  كان يجب أن يكون العنوان عن داعش والسوريين، لكن هكذا أرادها الاسد بجرائمه بحق...

--- الثقافة

IMAGE
الإسلاميون من الإحيائية إلى المظلومية
يُروى أن القاضي طلب من سيد قطب، جرياً على عرف المحاكمات، قول الحقيقة. فكشف سيد قطب...
IMAGE
صورةَ العار .. حين تتعارض صورة المثقف مع صورة الحقيقة
إلى بعض الأصدقاء (العلويين) الذين حذفوني من لائحة أصدقائهم وادّعوا بأنني قمتُ...

--- أخبار عربية وعالمية

IMAGE
ثلاثة نماذح من مراهقي الحرب السورية
لن أدخل نفسي ولن أدخلكم في التفاسير المتعددة الوجوه للأسباب التي أدت إلى ظهور...
IMAGE
نظام طائفي جذب الارهاب وحرق أطفال سوريا في آتون الحرب
كان أطفال درعا أشجع من كل أهل سورية، وشجاعتهم تجلت بالكتابة على جدران مدارسهم،...

--- الاقتصاد والاعمال

IMAGE
تداعيات انخفاض أسعار النفط على خلفية الصراعات الجيوسياسية
عندما صمم بعض الزعماء العرب على أن يكون “بترول العرب للعرب” تبخروا، وعندما حاول...
IMAGE
بلاد الجوع والدمار .. ارتفاع معدل الفقر في سوريا إلى 89.4%
بلغت خسائر الاقتصاد السوري خلال السنوات الثلاث الماضية وفقاً لتقديرات عدد من...

تقيم

الشبكة العربية العالمية

عدة مناسبات

سياسية وفكرية وثقافية

سجلوا معنا

ليتم دعوتكم،

يرجى الضغط هنا

-------------

At Marriott.co.uk the Pluses add up!

-------------

-------------

BBC Canada Shop

-------------

 


-

الشبكة العربية العالمية © 2006 - 2014
- يسمح باعادة النشر على شرط ذكر اسم الموقع ورابط الكتروني للمقال

- المواضيع والمقالات المنشورة تعبر عن رأي مصدرها وكاتبها وليس بالضرورة رأي الشبكة العربية العالمية

- يتحمل كاتب المقال او الدراسة مسؤولية مضمون وصحة المعلومات التي ينشرها على عاتقه - الشبكة العربية العالمية غير مسؤولة عما ينشره الكتاب المسجيلين والمدونيين