|

الشبكة العربية العالمية - عين القناص عمياء لا ترى ، كما هو ضميره الذي استبدله بولائه الأعمى لسيده ، لكن بارودته لا تخطىء الهدف ، بارودته التي توزع الرعب وتزرع الحزن كل يوم في بيادر أيامنا ..
ومثل ضمير القناص وبارودته كذلك فوهات المدافع وسبطانات الدبابات حين توجه قذائفها بمهارة فائقة إلى جدران بيوتنا الآمنة .. لايهم من خلف الجدران ، أطفال ..نساء .. شباب ..شيوخ .. الأهم هو تحقيق الهدف .. نشرالرعب وزراعة الحزن ، وتوصيل الرسالة بأن عليكم أن تبقوا عبيداً .
في كل لحظة تغتال الحياة على امتداد التراب السوري ، في كل لحظة يغتال الفرح ويستبدل بأوجاع مرّة ، في كل لحظة تتناسل المآسي ، مأساة تولد أخرى ، وجنازة تستولد جنازات .. ولكن أقسى تلك اللحظات هي تلك التي تغتال فيها المرأة ..في موت المرأة تعقيم للحياة وتوقف عن استمرارها ، وإمعان من القاتل في مهانة وإذلال محيطها ،وتحقيق رغبة خفية، جامحة في إنهاء أي نسل قد يحمل بذور الكرامة والحرية التي باتت خطراً داهماً يجب استئصاله واقتلاعه من جذوره .
عشرات الشهيدات السوريات التحقن بقافلة الخلود وسجلن أسمائهن في صفحات ملحمة الشهادة السورية العظيمة ، عشرات النساء اللواتي استهدفهن القناص وتسلى بدمهن وهو يلعب لعبته الدنيئة ، نساء تمّ استهدافهن بضمير ميت وعين لا بصر فيها ولا بصيرة داخل بيوتهن ، وفي الشوارع ، وعلى أبواب المتاجر والمدارس ، من لم يصطادها القناص طالتها قذيفة مدفع أو دبابة داخل جدران بيتها الآمن ، عشرات النساء من حوران الباسلة جنوباً إلى ريف دمشق التي تنزف دماً وأبناءً وأمهات ، إلى حمص التي تصلب كل يوم على صليب جديد ، وصولاً إلى حماه بندوبها القديمة التي نكأتها جراح للتو ، وإدلب التي تتهم بأشنع التهم .. مرورا ببانياس التي قدمت في يوم واحد فقط أربع من نسائها في يوم مؤلم وحزين للسوريين هو يوم يوم السبت الواقع في السابع من أيار 2011، والذي كان يوم المرأة السورية بامتياز ، عندما انتفضت نساء بانياس لكرامتهن وكرامة أبنائهن وأزواجهن وخرجن يطالبن بالمعتقلين والمفقودين منهم ، فباغتتهم رصاصة القناص التي تعرف طريقها جيداً إلى الرؤوس والصدور ، فغابت يومها كل من الشهيدات أحلام حويسكة و ليلى طه و ليلى صهيوني و مروة عباس ، في جريمة يندى لها جبين الإنسانية وليبقى دمهن شاهداً على جرائم عصابة نظام الأسد ، ودليل على غياب أية قيمة إنسانية ، عندما تمت مواجهتهن بالحديد والنار مقابل أصواتهن الحرة ، وأرواحهن النزقة القلقة على الأب والابن والأخ ، فانت الرصاصة هي الحل والحسم .. فقط لأن القناص أعمى ووفي لسيده .
من يقتل المرأة في سوريا ، إنّما يقصد قتل الحياة ، يقصد إذلال الشعب السوري بقتل أجمل ما فيه ، وأقوى ما فيه ، أليست المرأة حاضنة الحياة وضامنة لاستمرارها ؟ أليست المرأة هي الحصن الحصين لعائلتها ، واليد الحانية والقلب الذي يتسع الجميع ، والعقل المدبّر لتجنيب عائلتها ذل الحاجة ، ألسيست صانعة البهجة والفرح في كل بيت ، فلماذا يتركوها ؟ ألا يجب التخلص من هذا الكائن الخطير الذي يدعم ويشجع الأبناء على مواصلة الفعل والنشاط من أجل الكرامة والغد الفضل ، فلماذا يتركوها لنا .
لم تكتفي عصابة النظام السوري باعتقال عشرات الصبايا النشاطات ، وإنّما تمّ تشريد عشرات أخريات ، إذ أصبحت غالبية السوريات المثقفات والناشطات خارج سوريا بعد أن تعرضن للملاحقة والتهديد المتواصل ، من قبل رجال أمن النظام وشبيحته ، والتحريض المتواصل على كثير منهن داخل مجتمعهنّ المحلي ، حتى اضطرت العديد منهن إلى مغادرة البلاد للبحث عن ملاذ آمن ، في حين بقيت من لم تغادر وكإنّها في إقامة جبرية ، تعيش متخفية بين حارة وأخرى ومنطقة وأخرى، متوارية عن عيون زوّار الليل والنهار من أتباع النظام وعيون قناصيه .
أكثر ما يؤلم في استشهاد المرأة هو الأطفال الذين تخلفهم وراءها ، لاشيء في العالم يعوض حنان الأم وفقدها ، كثير من الأمهات اللواتي استبسلن في حماية عائلاتهن ومنهن من قضت شهيدة في سبيل حماية الأبناء ، وكثيرات منهنّ رحلن تاركات أطفال بحاجة إلى رعاية طويلة ، وهنا أستذكر واحدة من بنات عمومتي ، الشهيدة أمينة أحمد الحديد التي استشهدت في مدينة تلبيسة برصاص قناص وهي في طريق عودتها من منزل ذويها إلى بيتها ، أمينة التي تحمل البكالوريوس في الرياضيات ولها أربعة من الأبناء الأطفال ، استشهاد أمينة رحمها الله أيقظ في داخلي غابة من الذكريات ، أستذكرها أيام درستنا الإعدادية ، أسترجع هوءها وترتيبها ، تحضرني صورتها ببدلة الفتوة الأنيقة خاصتها،..بسمتها العذبة، تحضرني بروحها الشفيفة، وحضورها المميز الخاطف كالبرق لكثرة خفة ظلها ، .. تحضرني صورة أمينة وتحضر معها صورة أبنائها الذين ربما لمحتهم مجرد لمح بسبب غيابي عن البلدة ..لكنهم يحضرون في وجه أولادي حين أقبلهم وفي أصواتهم حينما ينادونني "ماما " .. رحلت أمينة برصاص قناص أعمى العين ميت القلب والضمير لتترك غابة من الذكريات ..رحلت أمينة ليختل ميزان السعادة في حياة أبنائها إلى الأبد ، رحلت دون أن يدرك أي منهم لماذا ؟؟ وما الذي حصل ؟؟ ويتساءل أصغرهم لماذا هي نائمة في موعد ليس هو موعد نومها ، رحلت أمينة تاركة لزوجها مهمة إعادة اعتدال الميزان ، ميزان الحنان والأمان الذي يحتاجه أبنائها ..ميزان تتطلب موازنة كفتيه أكثر بكثير من طاقة أي إنسان .. ومن بإمكانه أن يعدّل الميزان غير الأم ؟؟ أمينة هي مثال لعشرات السوريات اللواتي رحلن وقدمن دمائهن على مذبح الكرامة والحرية ، ليبقين شاهدات على جرائم عصابة النظام ، وليبقى دمهنّ صرخة في وجداننا وضميرنا .... رحلت أمينة ومعها العشرات من الصبايا السوريات تاركات في نفوسنا حزن لا ينتهي، وإحساس مريع بالعجز، وثقل في الروح ، وألف علامة استفهام في عقولنا ..وحيث لا جواب .. وإلى قاتلهن أستعير بعض من كلمات الشاعر والناقد سعيد الغانمي لأقول :
قوافل نسائنا لا تباد ..وهنّ القبرات التي لا تصاد
إلى روح الشهيدة أمينة أحمد الحديد .. ابنة مدينة تلبيسة .. لروحها السلام ولأبنائها وزوجها الصبر والقدرة على الاستمرار ..
الشبكة العربية العالمية |
----------------------------------------------
التعليقات المنشورة لا تعبر عن الشبكة العربية العالمية وإنما تعبر عن رأي أصحابها