|

الشبكة العربية العالمية - ونحن نودع عام 2011، لن نتردد في اعتباره العام الأجمل بالنسبة للجيل الذي ننتمي إليه (جيل الستينيات)، ولعله الأجمل بالنسبة للجيل الذي سبقنا ويوشك أكثر أعضائه على الرحيل من هذه الدنيا.
وفيما يختتم العام بإعلان الهزيمة الأمريكية في العراق (هزيمة أفغانستان ظاهرة للعيان)، فقد شهد أحداثا كبرى سيظل التاريخ يذكرها إلى ما شاء الله.
والحق أن الهزيمة الأمريكية في العراق ليست حدثا عاديا بأي حال، فهي تعكس اندحار واحدة من أكبر الهجمات الإمبريالية التي واجهتها الأمة منذ قرون، وكان ينبغي لها –بحسب مخططيها- أن تنتهي بإعادة تشكيل المنطقة ثقافيا وسياسيا، وحتى جغرافيا.
ربما كانت هذه الهزيمة واضحة للعيان قبل بداية العام، ما يجعل من الصعب نسبتها إليه، لكن الأحداث الأخرى الرائعة كانت بالفعل نتاج هذا العام الذي شهد سقوط دكتاتوريات كبرى لم يعتقد أكثر الناس أنها ستسقط في يوم من الأيام (كانت تمضي في طريق التوريث).
من تونس التي توجت ثورتها على نظام دكتاتوري فاسد برئاسة وحكومة جديدة، إلى مصر العظيمة التي قدمت أروع ثورة في التاريخ الحديث، وأسقطت نظاما فاسدا أعاد مصر قرونا إلى الوراء وحاكمت رموزه، إلى ليبيا التي تخلصت من دكتاتور مجنون، وحتى اليمن التي توشك أن تتخلص من إرث حاكم كذاب فاسد أهلك الحرث والنسل، وحتى انفجار الثورة السورية الرائعة التي قدمت من ألوان البطولة ما يعجز القلم عن وصفه، وتوشك أن تكلل مسيرتها بالانتصار.
هو عام رائع بكل المقاييس لن يقلل من روعته موتورون يستكثرون على هذه الأمة أن تثور وتنتصر، فيمعنون فيها تشكيكا، وينسبون ثوراتها الرائعة إلى مؤامرات خارجية من شتى الألوان، بخاصة اللون الصهيوني.
من كان يصدق أن عاما واحدا سيشهد كل هذه البطولة وكل هذه الانتصارات، ولو توج العام بانهيار نظام الأسد لكان أكثر روعة، لكن الحدث السوري يبقى بالغ الأهمية في تقييم هذا العام، لاسيما أن أكثر من 5 آلاف شهيد ومئات الآلاف من المعتقلين والجرحى لم يتمكنوا من دفع الناس نحو التراجع، بل زادوهم إصرارا على الانتصار.
إنه تاريخ سيكتب بحروف من نور. تاريخ تابعته شعوب العالم بأسره، فكان أن أدركت أن على هذه الأرض شعوب رائعة تنتمي إلى أمة عظيمة لا تستكين للظلم والطغيان. لقد أدرك العالم أن هذه الأمة التي أذلت أمريكا في العراق، وأربكت دولة تسندها القوى الكبرى (الدولة الصهيونية)، فيما تمكنت من الإطاحة بأنظمة مدعومة من الخارج، هي أمة تستحق الحياة وتستحق الحرية.
من كان يعتقد أن الثائر العربي سيصبح مصدر إلهام لشبان يحتجون في نيويورك ولندن وسائر العواصم الغربية؟ من كان يعتقد أن ميدان التحرير سيصبح مصدر إلهام لحالة تحررية ترفض هيمنة الغرب وإمبرياليته ورأسماليته المتوحشة؟!
لا ننسى من أحداث هذا العام صفقة شاليط التي كانت عنوان إذلال للعدو الصهيوني، ولا ننسى أن فلسطين قد ألهمت الشارع العربي، وقدمت أروع نماذج التضحية والبطولة منذ الانتفاضة الأولى، وحتى انتفاضة الأقصى التي كانت علامة فارقة في التاريخ العربي ألهمت شبانه نموذج المقاومة والاستشهاد.
نعم، كانت فلسطين مصدر إلهام الربيع العربي. صحيح أنها تعيش فترة بائسة في ظل قيادة ترفض المقاومة وتعيش على فتات العدو، لكن ذلك لا يغير في حقيقة أنها كانت الرائدة في الميدان، وهي التي سيكون الربيع العربي مقدمة لتحررها الكامل من دنس الاحتلال، وقبل ذلك من نماذج صنعها المحتل على عينه وعين من يدعمونه.
بالطبع شهد العام جملة من الأحداث المهمة الأخرى على تفاوت في أهميتها وتقييمها مثل (مسيرة العودة إلى فلسطين في 15/5، الاحتجاجات في البحرين والأردن والمغرب، انفصال جنوب السودان، اغتيال الشيخ أسامة بن لادن، فضائح ويكيليكس، مظاهرات احتلوا وول ستريت).
سنظل نتذكر هذا العام الرائع ما بقي لنا من عمر وحياة، لكن التالي بعده سيكون أفضل من دون شك، وسيتكلل هذا الربيع بتغير شامل في منظومة المنطقة داخليا وخارجيا، وستخرج من رحم هذه الثورات أمة عربية تقترب من الوحدة بعد إنجاز التحرر من الأنظمة الفاسدة.
لن يتم الأمر بيسر وسهولة، فالمخاضات التاريخية الكبرى لا بد أن تنطوي على الكثير من الألم، لكن الجنين سيخرج رائعا بإذن الله.
سلام على شهداء الأمة ومعتقليها وجرحاها ومعذبيها، والخزي والعار للقتلة والفاسدين وأبواقهم. وكل عام وأمتنا العظيمة بألف خير.
الشبكة العربية العالمية
نشر في الدستور الاردنية
|
----------------------------------------------
التعليقات المنشورة لا تعبر عن الشبكة العربية العالمية وإنما تعبر عن رأي أصحابها