|

الشبكة العربية العالمية - طرح البعض في محاولة تفسيره لصدمة الثورات ، أن ثمة دور خارجي كان سببا بشكل أو بآخر فيما جرى ، بل أن بعضهم قال أن ما جرى كله كان سيناريو خارجي أخرج بشكل متقن.
في واقع الأمر وبتحكيم شىء من العقل والمنطق ربما نصل إلى نتيجة في هذا الأمر، فدولة ما أو جهة ما تستطيع تجنيد العشرات أو المئات لكن لا تستطيع تجنيد الملايين ، قد تستطيع تشكيل جماعات أو لوبي أو تيار تابع لها يقول بافكارها ويتلقى الدعم منها ولكنها لا تستطيع تشكيل ثورات أو انتفاضات ، ثم هل قالت أمريكا مثلا لمحمد البوعزيزي أضرم النار بنفسك ، نعم قد تكون الأجواء وظروف الظلم والاحتلال والقهر التي أوجدت بعضها أمريكا في المنطقه عبر حروبها وغزواتها ودعمها لحلفائها من الأنظمة ، قد عززت قيام الثورات وسارعت بها لكن هذا دليل على أنّ الثورات قد قامت بالضد من أمريكا ونتائج أفعالها.
ثم أن أمريكا نفسها تفاجأت بالثورات تماما ، فالربيع العربي شوّش بوصلة السياسه الأمريكية في المنطقة ، لدرجة أن إسرائيل لامت أمريكا أخيرا لأنها تسّرعت بالتضحية بمبارك ، وكان بإمكانها أن تدعمه أكثر لا أن تتخلى عنه بعد أن وجدت نفسها مجبرة على ذلك ، نعم قد يحصل ان أمريكا بعدها حاولت أن تركب موجة الثورات وتنتبه لها وتجيّر جزءا منها لصالحها وتعطّل بعضها وتستفيد من بعضها الآخر ، وتحاول تمييع بعض مشاهدها كما حصل في ليبيا والبحرين واليمن وسوريا ، لكن الكلام هنا هو على المبدأ ؛ هل أمريكا دفعت الأمور بشكل مخطط لحدوث الثورات ..؟
في الوقع قضايا كثيرة ربما تتناقض تماما مع ذلك : مخططات أمريكا ومصالحها والحرص على حلفائها وحرصها الدائم على عدم إحداث أي تحول ديموقراطي حقيقي لدى الشعوب العربية ، والإستمرار في نهب ثروات المنطقه وإخضّاع العرب للكيان الإسرائيلي ومحاربة الإسلام وإبقاء التبعية وتغريب هذه الشعوب ومحاولة أمركتها وصهينتها إلى غير ذلك ، وهذا من المفترض أن الثورات ستكون بالضد منه تماما ، على الأقل حين تمتلك الشعوب بعد انتفاضتها قرارها الخاص . وعليه لا يمكن أن تعمل الولايات المتحده على الضد من مجموعة ومنظومة مصالحها وسياستها ومصالح ربيبتها اسرائيل.
يقول عبد الآله بلقزيز أن الثورات العربيه من صنع محلي وأن المتدخل لا يصنع ثورة أو يطلقها وأنما يجري أن يختطفها أو يصادرها أو يحصد بعض نتائجها على النحو الذي يتناسب مقاصده.
- الربيع العربي انجاز انساني
الربيع العربي لم يكن انجازا تاريخيا خاصا بالمنطقه لا بل أن هذا الحدث قد وصل إلى الساحات العالميه وأصبح مصدر إعجاب وافتتان ، فأصبحت ثورتي تونس ومصر نموذجا يستشهد به ويشير إليه بأرقى الإشارات مما حدا بالكثير إلى القول أن الثورات العربيه هي إنجاز إنساني وعالمي. يقول أوباما يجب أن نربي ابناءنا ليصبجوا كشباب مصر ، وقال برسكوني رئيس وزراء إيطاليا " لا جديد في مصر ، فقد صنع المصريون التاريخ كالعادة ".
ذكرت صحيفة اللوموند الفرنسيه تحت عنوان " شباب غريبون يحلمون ب ربيع اوروبي " ، أن الثورات العربيه أصبحت مصدر الهام للعالم وغيّرت صورة العريي في أذهان وإعلام الغرب ، إنّ رياح الثورات العربيه اجتازت مياه المتوسط لتحدث حراكا سياسيا واجتماعيا في بعض دوله ، كالذي يحدث اليوم في إسبانيا وفرنسا ، واعتبرت شعوب كثيرة في العالم أن ثورتي تونس ومصر هما انجازا إنسانيا قبل أن يكون محليا ، وقالت صحيفة إسبانيه إنّ ميدان التحرير يوجد الآن في قلب مدريد. وعلّقت ال ( CNN) بالقول : للمرة الأولى نرى شعبا يقوم بثورة ثم ينّظف الشوارع بعدها.ومن النتائج والإنجازات التي حدثت أن صورة الإنسان العربي النمطية في الغرب تغيّرت من الضد إلى الضد ، فبعد أن كان صورته الذليل التابع والخانع انقلبت الى الثائر الرافض والباحث عن الكرامة والعزة والحقوق.
- ماذا بعد الثورات
النقاش والتوقعات لما بعد الثورات ما زال عند البعض من المبكر الحديث عنه باعتبار إن الربيع العربي لم يستكمل ثوراته بعد ، فبعض الشعوب لم تنه لغاية اليوم التخلص من نظامها السياسي ، والبعض الآخر من الشعوب لم تصل احتجاجاتها وحراكها السياسي والاجتماعي إلى مستوى ثورة أو انتفاضه ، وحتى ثورتي مصر وتونس رغم رحيل النظامين وانهيارهما ، فما زالت الأمور مبكرة للحديث عن ملامح واضحة للمشهد الجديد ، لكن يمكن القول أنّ هناك شرارة رئيسية في الحراك هي انطلاق الثورة وإسقاط النظام ، سيتبعها عدة ثورات على المستوى السياسي والمعرفي والاجتماعي والفكري والاقتصادي أي أن هناك ثورات كثيرة ستتمخض عن الايقاع الأول للثورة.
هل يمكن أن تنجح الثورات فيما بعد بإعادة تشكيل الوعي لدى الأمه وصياغة المستقبل؟ في واقع الأمر إن إسقاط نظام سياسي ذي عقيدة ما ، حكم هذه الدول خمسين عاما وشكّل كل المجالات الحيوية فيها يحتاج إلى سنوات لإعادة ري الساحات والميادين التي جففها ، لكن ربما تكون هناك فرصه تاريخية أمام الأمه ولو على مستوى إحدى الدول كمصرلإعادة التفكير والتصارح ونقاش كم هائل من القضايا : من نحن ، ماهويتنا ، ما هو أرثنا الثقافي ، مالذي يصلح لنا فكريا ، ما الذي يريده إنسان هذه المنطقه من أشكال الحكم ، أين كان الخلل التاريخي .. ؟ وهكذا.
أي سيحصل هناك دراسة ونقاش وحراك هائل وعميق لكل الإشكالات والقضايا السابقه ، وربما ستتشكل منظومه معرفية فكرية ثقافية سياسية جديده تمهد لمشروع نهضه جديد ، وسيقول الإسلام والتاريخ والشعوب والأنسان في هذه المنطقه كلمتهم التي غيّبت ولم تكن مسموعة جيدا ..
أما على المستوى الأقليمي والدولي فمن المتوقع أن رياح الثورة ستصل دولا إقليمية وعالميه ، فدول كإيران وباكستان وغيرهما ربما تشهد شيئا مشابها وربما تصل شرارة الثورات إلى الصين وبعض الدول الأسيوية ، عداك عن بعض دول الغرب ، اذ يجري اليوم نقاش عند الفرنسيين مثلا حول أن العالم من حولنا يتغير فلماذا لا نتغير ، أيضا تجري نقاشات كثيرة حول النظام الرأسمالي والدعوات المتكررة في الغرب للمناداة بتغييرة وأنه ليس النظام الوحيد في التاريخ والأبدي خصوصا بعد ظهورعيوبه واختلالاته .
لقد قامت الصين أبان الثورة المصريه بشطب كلمتي مصر ومبارك عن محركات البحث على الشبكه الرقمية( الانترنت ) ، ولم يستطع الصينيون الوصول إلى نتيجها لبحثهم ، إلاّ أن أستطاع أحد محامي جماعات حقوق الأنسان في الصين الدخول إلى ذلك ، وكتب للمصريين العبارة التالية : " إن سر السعادة هو في الحرية وسر الحرية هو في الشجاعة " .
وقالت صحيفة فاينانشال تايمز إنّ " اسرائيل " تخشى تبني الفلسطينيين تكتيكات ميدان التحرير ، بينما كتب باحثان هما بروفيسور التاريخ في جامعة وسيكونسن- مادسن ، الفريد ماكوي وزميله في الجامعة ذاتها بريت رايلي في مقال لهما نشر في موقع ( توم ديسباتش ) : " أذا كانت الثورات المخملية التي اكتسحت أوروبا الشرقيه عام 1989 قد دقت ناقوس موت الإمبراطورية السوفياتية ، فان ثورة الياسمين التي تنتشر الآن عبر الشرق الأوسط يمكن فعلا أن تشكل بداية لنهاية القوة العالمية الأمريكية " .
الشبكة العربية العالمية |
----------------------------------------------
التعليقات المنشورة لا تعبر عن الشبكة العربية العالمية وإنما تعبر عن رأي أصحابها