|
الأربعاء, 03 يونيو 2009 00:37 |
اعذرني! فلم يكن بوسعي إكمال خطابي السابق. سمعتُ صوت الحذاء يقترب، وصاحبه يتنحنح؛ فدسستُ القلم و القرطاس في المخبأ السريّ. استدعوني للتحقيق. وكالعادة افتتحوه بوجبة مِن الضرب المبرح أفقدتني وعيي. بالمناسبة! من هو السخيف الذي اقترح استخدام كلمة "وجبة" لمعانٍ
لا تتصل بالطعام؟! المهم، بعد تلك الوجبة الشهية أدخلوني إلى مسئول التحقيق.
- ما زلتَ مصرًّا على الإنكار؟ - أخبرتُكم بسيرة حياتي منذ وُلدت! لم أرتكب شيئاً مما تقولون. - الأدلة و القرائن كلها ضدك. - أدلتكم مزيفة، وقرائنكم غير واقعية. - أنتَ عنيد للغاية. - إنما أنا شخص بريء وقع بين براثنكم. - اخلع عنك ثوب الكبرياء الزائفة. - و أنتَ ارتدِ ثوب الحياء الصادق. - أحمقٌ مأفون. - مجرمٌ سادي.
صفعتُه تدوّي في أذني، ويلتهبُ خدّي غضباً. ركلاتُ الزبانية تتلاحقُ كأصوات الآلة الطابعة، ثم لا أشعرُ بشيء على الإطلاق.
استيقظتُ، والمعركة اليومية قد رستْ في نهايتها المحسومة؛ فقد نجحتْ أشعة الشمس في تحويل الزنزانة إلى مِرجل. "في إطار الجهود المبذولة للمحافظة على البيئة، فإن الدوائر الأمنية المختصة ستلجأ إلى وسائل طبيعية وغير ضارة بالبيئة في استنطاق المتهمين بالطرق الحرارية". - لماذا لا أصبحُ مسئولاً في الإعلام لديهم؟!
صوتٌ من بعيد يسبّ الحظ والبخت. رائحةٌ كريهةٌ تختلطُ بطعم دموعي، فأغلقهما طلباً للراحة. أفتحُ عيني. نورٌ خافت يشعّ من الجدران حولي. السريرُ أبيض، والملاءة أيضاً، وكافة الأشياء. مرحى لهذا العالم البريء الطاهر! هل دخلتُ الجنة؟! مواءٌ غليظ يقتلعني من خدري اللذيذ، فأهبطُ إلى الغرفة ناظراً إلى جهاز قياس الضغط. ممرّضة مسرعة تهمهم بكلمات مكتومة.
- نعم، ماذا تريد؟ - أخبريني: أين أنا الآن؟ - في مستشفى السجن. لماذا ضغطتَ زر الاستدعاء؟ - لأتحققَ أني حيّ!
زارني الطبيب في اليوم التالي. كان متهلل الأسارير، وكأنما حاز خاتم الحكمة.
- مبروك! خُففتْ عقوبتك إلى النصف! - ولماذا إلى النصف؟! أنا بريء أصلاً. - لا دخلَ للتخفيف ببراءتك. ألم يخبرك أحد بما حدث؟! - بماذا؟ - اضطررنا إلى بتر رجلك؛ لأنها تسممت. وحسب القانون الساري حالياً فإن عقوبتك تُخفّض بمقدار النصف. - هه؟!
أضحكُ باكياً، فيهزُ الطبيب كتفيه غيرَ مبالٍ، ثم يمضي لحال سبيله.
هكذا يا صديقي: أصبحتُ ثلاثة أرباع إنسان بنصف عقوبة. بالمناسبة! بما أنك مدرس رياضيات، هل هذه المعادلة صحيحة؟!
|
----------------------------------------------
التعليقات المنشورة لا تعبر عن الشبكة العربية العالمية وإنما تعبر عن رأي أصحابها