|
الأربعاء, 03 يونيو 2009 00:36 |
|
يرقدُ هناك. يلتحفُ ببطانيته الرمادية. فمُهُ يلتوي في ابتسامةٍ مُغتاظة، وأخاديدُ الوجعِ تُصافحُ وجنتيه. يتقلّبُ يمنة ويسرة. ذراعُهُ ترتفعُ لتسقُطَ خاملة. ساقُهُ تمتدُ، تُعانقُ الفضاء، تبحثُ -لوهلة- عن مرفأ أكيد، تسبحُ على غير هدىً في أثيرِ الجاذبية، تتخبّطُ وحيدة، ثم تؤوبُ إلى دفء السرير.
أضواءُ الفجر تتسللُ من النافذة، ترتسمُ على وجهِهِ أضواءٌ نيلية، تتجهمُ ملامحُهُ في غضبٍ عارم، تتلوى في قسوةٍ مفرطة، ثم ترفلُ بين علاماتِ السكينة. بعوضةٌ عابثةٌ تبغي معاقرة دمه، تحومُ جذلى حولَ أذنه، وهي تطلقُ أناشيدَ الحربِ، عقلُهُ يترجِمُها معزوفةَ فَرَح؛ فتعودُ يدُهُ الممتدةُ سلاحًا إلى غِمدِها مُسالِمة. أواه! هل هو ذاكَ الفتى الذي أعرفُ منذ دهور! عرباتُ الباعةِ المتجولينَ تنزِعُ عنها رداءَ الوَسن، تنتفضُ في صريرٍ، مُنتشيةً بيومٍ جديد. أُغلقُ النافذةَ ببطء السعادة، لعلَّهُ يحظى بدقائقَ إضافيةٍ من الكرى. أراهُ يتقلبُ، يغادرُ جسدُهُ سلامَ تلك السويعاتِ القلائل. أُشفقُ عليهِ؛ فلليقظةِ ضريبةُ المرارة، وطَعمُ المسؤولية. طائرُ النورسِ الضائع يشدو بأغنيةٍ جنائزية. أُحسُ بقشعريرةٍ باردةٍ تستعمرُ أطرافي؛ فأنظرُ حولي؛ أينَ أشعة الشمس؟! ها هي بدأتْ تنبلجُ كسلى، عجوزًا تتوكأ على حافةِ الزمن التليد، تتمطّى في خمولٍ حالم، تعقِصُُ ضفائرها الذهبية سنابلَ قمحٍ مُمتلئة. النورسُ الضائعُ يتقوّى بِحبالهِ الصوتيةِ في جذلٍ مجنون، تنمو عضلاتُهُ بوتيرةٍ خُرافية، ينظرُُ إليّ في تحدٍ شامت. أينَ المفر؟! يدعوني إلى المبارزة.. يناديني للقتال! هيّا أيتها الشمس الكسلى! أسرعي! أرجوك! أمُّ الذهبِ تُمشطُ شعرها برَويّة. النورسُ يقتربُ لا يلوي على شيء. تفزعُ الشمسُ لرؤيتنا. تُلقي بِمشطها السحري خلفَ المُحيط. تجري مسرعةً فوقَ رؤوسِ الغمام.. تبرقُ عينا النورسِ بِشهوة الدماء.. ينقضُّ من علوٍّ شاهق. أُغلقُ النافذة.. وأختبئُ خلفَ الستور أُراقب.. تقبضُ الشمسُ بتلابيبِ النورس؛ فيصفعُها بمخلبِه الآثم.. الريحُ تعصِفُ. أيتها الشمسُ! انتبهي قبلَ فواتِ الأوان. الأرضُ تُناجي مُبتهلة.. يا رفيقةَ الدربِ.. تماسكي لدقائق. يغرسُ مخلبَهُ المتنامي في قلبِ الشمس؛ فتسقطْ. ينتزِعُ مِفتاحَ النافذةِ من أحنائِها، ثم يُطالعُني بِشماتة.. أُغمضُ عيني جزعًا، ثم أهوي على الجسدِ المُلقى أمامي..
26 يوليو 2008
|
----------------------------------------------
التعليقات المنشورة لا تعبر عن الشبكة العربية العالمية وإنما تعبر عن رأي أصحابها