|
مزقت الأوراق، وكسرت الأقلام.. لينسكب الحبر الحزين على إسفلت عالم السيبيرنيتيقا الذي التهم شخوص الحياة. فما كان للإبداع إلا أن أعلن العصيان. أما الفن فقدم استقالته مكرها، لتحزم الحروف حقائبها تاركة دفتي الكتاب الدافئتين، متوجهة نحو أضواء شاشات الحواسيب التي تخطف الأبصار. أي لعنة أصابت الكتاب هذه الأيام؟؟ ليتحول من منهل لا ينضب عطاؤه، إلى مجرد ديكور يؤثث أروقة معارض تنظم على سبيل التقليد لا غير.
مشهد أليم، يحز في قلب أي كاتب، ويدمع عين كل مفكر. انطفأ زمن الرفوف الحبلى بالمجلدات الوافرة المعارف، لتنسج العناكب بيوتها على زوايا المكتبات.. ونحن نرى كيف طردت الأقراص المدمجة المذكرات الورقية من جيوبنا، وقد كنا نحملها معنا أينما حللنا تحسبا لأي جديد معرفي.
إن لذة العلم تتجلى في متعة البحث، ونكهة التنقيب عن المعلومة وسط أريج الأوراق. وليس في السهولة والوفرة كما يعتقد، ولعل أفول زمن المفكرين الكبار خير دليل. فبعد أن كثرت علينا المواقع الالكترونية، زهدنا في المعرفة، وأدرنا ظهورنا للثقافة. فقلت حاسة المطالعة لدينا، واغتصبت العولمة فينا غريزة الخلق والإبداع. وعوض أن نعود أيادي أبنائنا على معانقة الكتب، كيفناها على شكل الفأرة والملمس..
للحظة خلوة بكتاب مفيد، خير من جلسة بأحد نوادي الشبكات العنكبوتية، التي تناثرت حولنا كحبيبات الجذري، وأقفرت مكتباتنا وسرقت مرتاديها، فأغرقتنا بالمعطيات المغلوطة غالبا، وصنفت معاجم من الأخطاء الشائعة، بل مسخت لغة المنفلوطي لغة مبتذلة التعابير، فقيرة الجمالية.. وطلع علينا فجأة كتاب من الدرجة العاشرة، ومنتديات لا يتصفحها إلا أصحابها..
لقد دق ناقوس الخطر، وأعلن الزمن مؤامرة تحاك ضد الكتاب...
فيا دعاة الفكر، وحملة رسالة العلم النبيلة.. هبوا لنصرة رفيقكم الوفي، وأنيسكم المخلص. ولا يجرفنكم بحر التكنولوجيا ، بل اقفزوا إلى شواطئه، واصطادوا منه ما ترونه مناسبا.
وإليكم قصة قصيرة جدا وقعت قبل كتابة المقال بقليل، وتقع في كل لحظة، وستقع إن لم تنقذوا هذا الكتاب من براثين العولمة الباطشة:
" جلست على الكرسي في تثاقل. تناولت الورقة بيد متشنجة ترجمت ما يخالجني من سخط.. وما كدت أمددها على المنضدة حتى صرخت اللعينة في تمنع:
- إيه ماذا هناك؟؟
أجبتها مستغربا:
- عجبا أريد أن أكتب مقالا.
سخرت مني في مكر قائلة:
- أتتغابى؟؟ من سيقرأ خربشاتك في هذا الزمن الرقمي؟
صاح القلم:
- معك حق ولكن لنترك لصاحبنا فرصة ليخربش فيها، لعل مخربشين مثله يقرؤون ما سيخط على صفحتك...
بصقت في نفسي، لاعنا دودة الإبداع التي تنخر في داخلي.."
|
----------------------------------------------
التعليقات المنشورة لا تعبر عن الشبكة العربية العالمية وإنما تعبر عن رأي أصحابها